للامام محمد بن عبد الهادي
تحقيق الدكتور ماهر ياسين الفحل
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعلَ الإسلام دين الحق الذي لا يرتضي الله من أحدٍ ديناً سواه، والحمد لله الذي حكم سبحانه على كل دين سوى الإسلام بالبطلان وعلى أهله بالخسران؛ ولذلك أظهره الله على سائر الأديان، وفتح لأصحابه الأمصار والبلدان ؛ لسيرهم على درب سيد الأنام الذي كَبَتَ عدوه، وأعز حزبه
ورفع ذكره .
والحمد لله الذي جمعنا على الإسلام وألف بين قلوبنا بالقرآن وهدانا إلى رحمته بالقرآن والحمد لله الذي أكرمنا بنزول القرآن وشرّفنا بالقرآن، وجعلنا أهلاً لتحمل كلامه وتلقي خطابه .
والصلاة والسلام على سيد ولد آدم الذي ربّاه وزگاه ربُّه بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] ، وربّى أصحابه بمجالس الذكر والقرآن؛ ففتح الله به قُلوباً غُلفاً وأعيُناً عُمْياً وآذاناً صُمّاً، وسلم تسليماً كثيراً ما ترددت على الألسن آيات الرحمن، وتُليت في المحاريب هداياتُ الفرقان وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصاً له الدين، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين . لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرَضِينَ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ .
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .
وارض اللَّهُمَّ عن الصحابة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
عباد الله اتقوا الله حق التقوى ؛ فإنَّ أجسادنا على النار لا تقوى، والزموا القرآن فهو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان يُحيها حياةً أبدية سرمدية، وعليكم بالعلم النافع؛ فإنَّه ذخيرة القبر ونورُ القلب، وافعلوا الخير فإِنَّ مِنْ يفعل الخير لا يُعدم جوائزه، وعليكم بكثرة العبادة ؛ فإنَّها دليل صدق التوجه إلى الله، وعليكم بالهمة فإنَّها طريق القمة .
أمَّا بعد:
فإني أكررُ حمدي وشكري وثنائي وتمجيدي الله رب العالمين على نعمه الظاهرة والباطنة، والحمدُ لله الذي أحياني ودفع عني شر الأشرار وكيد الفُجّار وطوارق الليلِ والنَّهار، والحمدُ لله على إكمالي تحقيق هذا الكتاب المحرَّر في الحديث» للعالم الفذ الإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي يرحمه الله تعالى ويرحم أمة محمد أجمعين. وكنتُ أعرضتُ عن إكمال تحقيق الكتاب لأكثر من عام ؛ إذ عشتُ بين الناس أضمد جراحهم وأتواصى معهم بالصبر والمرحمة، وأحبُّ النَّاس على تحريم قتل النفس المؤمنة؛ فتحريمها إحياء لها .
وفي ضحوة الثلاثاء ٢٥ من شوال لعام ١٤٣٦هـ قتلت طائرات الصليب من حلف المغضوب عليهم والضالين ابن أخي إبراهيم ذا الثلاث عشرة ربيعاً، قتلثه ظلماً وعدواناً في وضح النهار في دكانه لبيع المواد الغذائية قتلاً وحرقاً؛ فعاودت تحقيق الكتاب وانصرفت له بالكلية في الأشهر الحرم عسى الله أن يحرمنا على النار ؛ لأجعل تحقيق الكتاب وقفاً على روح ابن أخي، فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرحم فتوته وغربته وأن يجعل حرقه وقتْلَتَه ودمه شهادةً في سبيل الله وأنْ يُجري الله له عمله الصالح إلى يوم الدين، فهو كان من أهل البر والإحسان وكان من أهل صلاة الفجر معي في مسجدي، وكان كثير الاعتمار لبيت الله العتيق مع والديه ؛ أسأل الله أن يجعل مصابهم رحمةً وزكاةً عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سلیم
ثم لم ينقض الشهر حتى قُتل أخواي محمد وأحمد خرجا لطلب الرزق وليُطعما مَنْ وراءهم من أهليهم فقصفتهم طائرات الصليب، فأسأل الله أن
يرحمهم وأن يجعلهم عنده لهم أجرهم ونورهم. وفي هذا المقام أُذكِّرُ إخواني بالبر والصلة لا سيما بر القرابة وصلة الرحم؛
فبالقُربات تُدفعُ الكُربات ومَنْ أحسنَ إلى النَّاس أحسن الله إليه، وإنَّ الله قد جعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقة مخرجاً ويسر له اليسرى، قال تعالى: ﴿فأما مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ الْيُسْرَى الليل: ٥ - ٧]، أسأل الله أن يجعلني وقارئ كلامي منهم.
وأوصي بالاشتغال بأمر الآخرة، وتأمَّلْ قول الله في أصفيائه : إِنَّا أَخْلَصْتَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ ) [ص: ٤٦] نعم اجعل شغلك الشاغل الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَأتيةٌ فَأَصْفَح الصَّفْحَ الجميل ) [الحجر: ٨٥] ، فإذا أحببت الآخرة أحببت الجنَّة، وإذا أحببت الجنَّة انقطعت عن الشهوات، وإذا أحببت الآخرة خفت من النَّار وانقطعت عن السيئات .
وقل لنفسك : يا نفس لا تتكبري فسيأتي يومٌ فترحلي، فالحياة تذهب وتبقى الباقيات الصالحات وأوصي بالتقرب إلى الله بكلِّ نَفَس من الأنفاس، وبكل ترك من التروكات المحرَّمة، من ذلك غض البصر المحرم، وتأمل مجيء قول الله: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النور: ٣٥] بعد آيات غض البصر، فمن غض بصره عن الحرام أطلق الله نور بصيرته.
وإذا وفقك الله لعمل صالح فاشكر الله على فعل الخيرات، وأن وفقك الله للعمل الصالح وأكثر من الدعاء فهو يرحل بالرجاء ويعود بالعطاء. وراقب قلبك في محبة الله ومحبة الرسول الله ، واعلم أنَّ من محبة الرسول الله أن تتعلم سُنَّ وقد قرر القرآنُ أنَّ العلم قبل القول والعمل وأنَّ من المهم تعلم أحاديث الأحكام، وأن معرفة علل الحديث درةٌ في تاج علم الحديث، وقد جاءك كتاب ابن عبد الهادي كالعروس المزينة، فهو نافع ماتع في أحاديث الأحكام مما يحتاجه العالم المنتهي والطالب المبتدي مزداناً بدرر الفوائد وغرر العوائد في صنعة الحديث والعلل .
وقد سبق وأن طبع الكتاب في أكثر من دار والآن أقدمه للطباعة في دار ابن الجوزي - حرسها الله - فلو كان لدور النشر عاصمة لكانت دار ابن الجوزي عاصمة العالم في نشر الدين الخالص والعلم النافع مع العناية والرعاية والتدقيق.
وهذا الكتاب أسأل الله أن ينفع به أمة محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. ماهر ياسين الفحل
١ / ربيع الأول/ ١٤٤٢هـ