د محمد سعيد القحطاني
مُقَدِّمة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين . . . أما بعد : فإن التقاط الفوائد وتقييد الشوارد وجمع نكات العلم وفوائده، من دأب طالب العلم، وفي هذا خير كثير له ولمن يطلع على ما كتب، وقديماً
قيل : شعار
العـلـم صـيـد والـكـتـابـة قـيـده فقيد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتتركهـا بـيـن الأنـام طـالـقـة
وإن تفسير الإمام القرطبي من أكبر الموسوعات العلمية، الذي حوى والهبت
علماً غزيراً في كل الفنون من تفسير، وفقه، وحديث، ولغة وغيرها. وقد عشت مع هذا التفسير عشر سنوات برفقة إخوة فضلاء كنا نتدارس هذا التفسير، وكل واحد منا يدوّن ما يراه هاماً من الفوائد في شتى العلوم التي حواها هذا الكتاب الهام في بابه وقد بدأنا هذا الدرس في ١٤٢١/٧/١هـ، وانتهينا منه كاملاً في ١٤٣١/٩/١٥هـ.
ولقد كانت تنتابني الحسرة والألم والحرقة على المزالق التي وقع فيها هذا الإمام العظيم في باب توحيد الأسماء والصفات!! فقد أصابته لوثة الأشاعرة التي لا تُثبت الله إلا سبع صفات بالدليل العقلي!! وتؤول بقية صفات الله تعالى؛ زعماً منهم أن إجراءها على ظاهرها فيه تشبيه للخالق
بالمخلوق !! .
وكنت أقول لإخوتي ونحن نتدارس هذا التفسير : يا سبحان الله كيف أن عالماً كبيراً في منزلة هذا الإمام يقع في هذه الأخطاء القاتلة؟!، وقد كان علماء سلف الأمة قبله بإثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، كما قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: ١١].
لقد كان الإمام القرطبي شديد الإنكار على الصوفية المهرطقة، أصحاب الخرقة والتواكل، وكان نقده لهم نقداً علمياً ،رصيناً، وكان شديد الإنكار على القدرية والمعتزلة والرافضة، فيا ليته كان في باب الصفات على منهج الأمة، ولكن نسأل الله أن يتجاوز عنا ،وعنه فلقد مرَّ على الأمة الإسلامية من تاريخها سادت فيها لوثة الأشعرية وحوربت العقيدة السلفية، حتى جرفت هذه اللوثة علماء أعلام لهم في تاريخ هذه الأمة شأن وأي شأن. وقد مَنَّ الله علي ومن معي من إخوتي بقراءة هذا السفر العظيم كاملاً، من أوله إلى آخره في هذه العشر السنوات وكان يجمعنا اللقاء كل أسبوعين ويطرح كل منا على إخوانه ما دوّنه من فوائد وشرائد علمية فائقة، وقد أحببت أن أنشر هذه الفوائد؛ عسى الله أن ينفع بها مؤلفها؛ وكاتبها؛ وجامعها؛ وقارئها .
وقد اعتمدت في الإحالات على الطبعة الجديدة التي خرجت بتحقيق معالي الدكتور عبد الله التركي ومن معه من الباحثين والمحققين، فهي أجود نسخة فيما أعلم؛ خرجت إلى الآن في خدمة هذا السفر العظيم، والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى . وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم