للحافظ ابن رجب الحنبلي
بقلم سليم بن عيد الهلالي
فاتحة القول
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد؛ فإن كتاب جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم قد طار في الأقطار، وسار في الأمصار وفاق في الاشتهار على الشمس في رائعة النهار حتى أكب الناس عليه وصار مفزعهم إليه، فهو الحري بأن يُطلب، حيث دبجته يراعة علامة تحرير، بعلل القلوب بصير، وبأحوال السلف خبير، ألا الحافظ ابن رجب الحنبلي الشهير، الذي تخصص في شرح الأحاديث النبوية والحكم المصطفوية والآثار السلفية، فصاغ شرحاً يشفي العليل ويروي الغليل، فأودع فيه من الفوائد صنوفاً، ورص فيه من الحكم صفوفاً، ووشَّاه بغرر الأخبار، وحلاه بدرر الأشعار، وهو في ذلك كله ينقلك من مسألة إلى أختها بأسلوب أدبي ماتع ، بعيد عن التقعير، ويفهمه الكبير والصغير، حيث يجد القارىء بإثر كل حديث شَرَحَه جُملة أمور:
١ - تخريج الحديث من مصادره وجمع طرقه، وتحرير ألفاظه، مقرونة بدرجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف .
٢ - الإكثار من الآيات القرآنية التي تجلو معنى الحديث وتوضحه .
٣ ـ إيراد ما هو مأثور عن السلف الصالح في بيان المراد من الحديث أو مما له صلة بالحديث، وجلُّها حكم مؤثرة تتغلغل إلى أعماق القلب والنفس .
٤ - شرح غريب الحديث وبيان مضامينه .
5ـ إيراد الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث وعزوها إلى أهلها من الصحابة والتابعين والأئمة المشهود لهم بالعلم والتقوى والورع . ويترتب على ذلك كله جمل لا يستغني عن معرفتها المرجوع إليه في الأحكام والمعوَّلُ عليه في دين الإسلام من علم ولذلك ؛ فهو أولى ما صُرفت فيه نفائس الأوقات، وأعلى ما شمر بإدراكه والتمكُن فيه أصحاب الأنفس الزاكيات وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى الخيرات، وسابق إلى التحلي به مستبقو الخيرات، وقد تظاهر على ما ذكرت جمل من الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة المشهورات، وأقاويل السلف الصالح النيرات، ولا ضرورة لإيرادها هنا لكونها من الواضحات الجليات . وقد كنتُ صرفتُ في معاناته ومعاينته بُرهةً من الدهر، وبذلت له على المشقة شُقَّةً من جديد العمر ، وصرت في الليل والنهار سميره، حتى أسر إلي سره ،وضميره، فأطلعني على حوره المقصورات في الخيام، وكشف لي عن قاصرات الطرف الثام، ففهمت ،مقاصده ، وكشفت عن مغزاه في تقييد أوابده، واقتناص أجل شوارده، وتبيين بدائع ،فوائده وتزیین فرائدة .
والقصد من هذا التقييد الانتظام في سلك أحد طرفيه متصل بصدر النبوة، والدخول في زمرة قوم جدُّوا في إقامة الدين واجتهدوا في إحياء سنة خاتم النبيين ؛ شَغَفاً بها، وحُبّاً لصاحبها، وإن قصرتُ عن سعي الأئمة المتقدمين، حسبي أني أحبُّهم في الله طمعاً في موعود الله على لسان رسول الله : «المرء مع من أحبَّ» (۱) ، ولأني رأيت أعلام العلم السني عادت إلى الدروس، وغلب على أهل هذا الزمان هوى النفوس، فلم يبق من الدين إلا الرسم، ومن العلم إلا الاسم ، حتى صرت أتمثَّل بقول أبي الحسن بن المفضّل المقدسي :
تصدر للتدريس كُلُّ مهَوَّسِ بَلِيدٍ تَسَمَّى بالفقيه المُدَرِّسِ
فَحَقَّ لأهْلِ العِلْمِ أَنْ يَتَمَثْلُوا بِبَيْتٍ قَديم شاعَ فِي كُلِّ مَجْلِس
لَقَدْ هَؤُلَتْ حَتَّى بَدا مِنْ هُزالها كُلاها وحَتَّى سامَها كُلِّ مُفْلِس
(۱) بل ليتك تسكت ولا تنطق أو لا تُحَسِّنُ لإمامك الباطل وتجرثه على الظلم وتغشه ، فمن أجل ذلك سقطت من عينه، ومن أعين المؤمنين ! فبالله قل لي : متى يفلح من كان يسرُّهُ ما يضره؟ ومتى يفلح من لم يراقب مولاه؟ ومتى يفلح من دنا رحيله وانقرض جيله وساء فعله وقيله ؟ فما شاء الله كان، وما نرجو صلاح أهل الزمان، لكن لا ندع الدعاء لعلَّ الله أن يلطف وأن يصلحنا، آمین» (۲) .
ولما كان الأمر كما وصفت ؛ رأيت أن أجدد أمر هذا الكتاب بصورة تقربه إلى أفهام بني عصرنا، لعله ينشط فيه راغب منتبه ، أو ينبعث له واقف متثبط ، أو يهتدي به متحير، أو يقع على طريق مسترشد فلا يخيب من الساعي سعيه، ولا يضيع حظه . . . فكانت ثمرة سعيي - والحمد لله وحده ـ هذا الكتاب الذي بين يديك أخي القارىء، والموسوم بـ «إيقاظ الهمم المنتقى من جامع العلوم والحكم»، فإن أصبت ووفقت ؛ فمن الله ؛ فهو المستعان، وعليه التكلان، وإن قصرت وأخطأت فمن نفسي والشيطان وحسبي أني بذلت جهد المقل، وأرجو الله أن يتقبله بقبول حسن ؛ فهو حسبي ونعم الوكيل، عليه توكلت وإليه