تأليف د محمد بن خالد بن محمد النشوان
جزء من المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فإن مقام النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين ذو منزلة شريفة، ومرتبة مُنِيفَة، فقد بعثه الله على حين فَتْرةٍ من الرُّسُل، ودروس من السُّبُل ؛ فهدى الله به أقواماً من الضَّلالات ونور به قلوبا من الظلمات وافترض على العباد طاعته ،ومحبَّتَه ،وتعزيره، وتوقيره، والقيام بحقوقه » (١) ، فهو المبلِّغُ أحكام هذا الدين، وبه ختم الله النبيين والمرسلين، فـ«الحمد لله الذي ابتعث فينا البشير النذير السراج المنير هاديًا إلى رضاه، وداعيًا إلى محابته ودالا على سبيل جنَّتِه (۲)، فصلوات ربي وسلامه عليه .
وإنَّ من المسائل الشَّريفة المتعلقة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، «الصلاة والسلام عليه ؛ كما أمرنا الله سبحانه بقوله : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)
وجاء في الحديث على الصلاة عليه ؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «مَن صلى على واحدةً صلَّى الله عليه عشرًا» (۳)
وما زال أهل العلم يفردونَ مصنفات وأبوابا تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم سواء أكانت في . فضائله أم شمائله أم سيرته وتراتيبه . . . ، والفقهاء يذكرون عادةً في كتاب النكاح فصلا بالأحكام التي اختص بها النبي ، ومن المسائل المهمة التي يتطرقُ لها الفقهاء في مدوناتهم الفقهية؛ أحكامُ الصلاة على النبي ، وغالبا ما تكون مفرقةً في تضاعيف كتبهم، ويختلف عَرضُها من فقيه لآخر من حيث استيعاب الكلام عليها، فكانت الحاجة لجمع مسائلها وتحرير أحكامها، وذلك ببيان الحكم التكليفي للصلاة على النبي الله في المواطن الواردة فيها ، ومعرفة ما يُشرع منها وما لا يُشرع، ومعرفة المواطن التي يستحبُّ فيها الصلاة عليه ، والتي يُكرَه فيها ذلك ولا يستحبُّ سواءً في باب العبادات أو المعاملات . . . ، والمسائل المتعلّقة بها تبعا لا أصالة (1) .
قال الطحطاوي (٢) الحنفيُّ (ت ۱۲۳۱ هـ ) - مُشيرًا إلى اختلاف أحكام الصلاة على النبي الله : اعلم أنها على ستة أقسام : فرض، وواجب، وسنَّة، ومستحبّ، ومكروه، وحرام» (۳) .
أهمية الموضوع وأسباب اختياره
١- صلة هذا الموضوع بالنبي الا الله وكفى بذلك شرفًا ومنقبةً، فضلا عن كون الصلاة على النبى قد جاء الحث عليها وبيان فضلها في
أخبار كثيرة، فكانت العناية ببيان أحكامها ومسائلها من المهمات. -۲- كثرة الفروع الفقهية المتعلقة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقد عدَّ ة ابن القيم (ت (٧٥١هـ) في كتابه الموسوم بـ«جلاء الأفهام» واحدًا وأربعين موطنا من مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والحافظ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في «القول «البديع زادَ عليه فأَوْصَلها إلى ثمانية وخمسينَ موطنا، وغيرهما كثير من أهل العلم وإنما أردتُ الإشارة إلى كثرة المسائل في الباب(۱)
٣- أنَّ طائفة من متأخري الفقهاء ذكروا جملة من مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ورتَّبوا عليها ،أحكامًا، وهي مما لم يثبت دليله عند التحقيق من ذلك ما استحبَّه بعض الفقهاء من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند أكل الفجل (٢) ، أو عند أكل الأرز (۳) ، فكان تمييز الأحكام الصحيحة ضروريًا .
٤- عدم الوقوف على بحث في هذا الموضوع على هذا النحو من الدراسة الفقهية، فعامَّة المؤلفات في هذا الباب تتعلق ببيان فضائل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والفوائد والثمرات الحاصلة. التعرُّض لغيرها من الأمور المتعلقة بالصلاة عليه ؛ كبيان أحكامها ومسائلها وتتبعها في مظانها دراسة وتحريرًا .