عبد الرحمن صالح المحمود
خالد التويجري
العفة خلق إيماني رفيع، العفة صبر وجهاد واحتساب، الغفة قوة وتحمل وارادة، العفة صون للأسرة المسلمة من الأهواء والانحرافات والشذوذ، العفة دعوة الى البعد عن سفاسف الأمور وخدش المروءة والحياء، العفة لذة وانتصار على النفس والشهوات وتقوية لها على التمسك بالأفعال الجميلة والآداب النفسانية، العفة إقامة العفاف والنزاهة والطهارة في النفوس، وغرس الفضائل والمحاسن في المجتمعات، حقاً.. انها عفة الاسلام، التي تضبط سلوكيات الآدميين وتبعدها عن الانحراف الى مهاوي الرذيلة والانحطاط، وتحفظ إراداتهم وشهواتهم عن الانخراط في الزلل وعدم الانضباط. وقد أوضح سليمان بن يحيى عوامل تحقيق العفة وثمراتها وأسباب ضياعها في المجتمعات المسلمة.
النفس أمارة بالسوء
لقد حرص الاسلام على ان ينأى بالناس عن الشهوات الحيوانية، والأخلاق الشيطانية، والنفس بطبيعتها كثيرة التقلب والتلون، تؤثر فيها المؤثرات، وتعصف بها الأهواء والأدواء، فالنفس أمارة بالسوء، تسير بصاحبها الى الشر، فإن لم تستوقف عند حدها، وتلجم بلجام التقوى والخوف من الله، وتؤطر على الحق أطرا، وإلا فإنها داعية لكل شرى وهوى ومعصية، والنفس بطبيعتها إذا أطعمت طعمت، وإذا فوضت إليها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت، وإذا تركت إليها الأمر فسدت، والعفة تأتي لتهذيب النفس وتزكيتها من أهوائها وشهواتها، لتتجلى فيها مظاهر الكرامة الإنسانية، وتبدو فيها الطهارة والنزاهة الإيمانية، نعم.. إن العفة هي طلب العفاف والكف عن المحرم الذي حرمه الله جل وعلا والاكتفاء بما أحل سبحانه وتعالى وإن كان قليلاً.
أحاديث نبوية في العفة
1 ـ «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» (رواه أحمد).
2 « اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (رواه مسلم).
3 ـ «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم» (رواه الطبراني بإسناد حسن).
4 « ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (رواه الترمذي).
5 « عرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد وعفيف متعفف وعبد أحسن عبادة الله ونصح لموالية» (رواه الترمذي).
6 ـ «من أنفق على نفسه نفقة يستعف بها فهي صدقة، ومن أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهي صدقة» (رواه ابن ماجة).
7 ـ «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه» (رواه مسلم).
العفة في البيت النبوي
1 ـ «إني لأنقلب الى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى ان تكون من صدقة فألقيها» (رواه البخاري).
2 ـ أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة» (رواه البخاري).
3 ـ مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق قال «لولا اني أخاف ان تكون من الصدقة لأكلتها» (رواه البخاري).
أنواع العفة
1 ـ العفة عن المحارم وتشمل: ضبط الفرج عن الحرام وكف اللسان عن الاعراض.
2ـ العفة عن المآثم وتشمل: الكف عن المجاهرة بالظلم وزجر النفس عن الاسرار بالخيانة.
عوامل تحقيق العفة:
1 ـ تحقيق الايمان الذي ينشئ مملكة الضمير في نفس المؤمن فيستحضر الخوف والحياء وتذكر الآخرة واستشعار عظمة الله ويكون باعثا على قمع الشهوة في النفس ودرئها عن تجاوز الحد «معاذ الله انه ربي احسن مثواي».
2 ـ التربية الروحية من صبر ومجاهدة في ذات الله جل وعلا، بدوام الصلة بالله تعالى من ذكر ودعاء وتضرع وتبتل والتجاء اليه، وقراءة للقرآن الكريم بتدبر وتأمل مع الفهم لمعانيه والتعقل لأسراره وحكمه.
3 ـ تربية النفس بالصوم فانه مما يعين على زكاة القلب، وطهارة النفس، وبه تنحصر وتضيق مجاري الشيطان «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء».
4 ـ توعية الجيل المسلم بتعزيز المنافع والمصالح التي تنشئ العفة والتزام امر الله عز وجل في الحياة اليومية، مع بيان الآثار السلبية النفسية والاجتماعية والعقلية والروحية للنشء لكل من سلك طريقا غير طريق العفة «ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا».
5 ـ التقرب الى الله سبحانه بالنوافل بعد الحرص العظيم على الالتزام بالواجبات والوقوف الجازم عند الحدود والفرائض «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب الي عبدي بشيء احب الي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه.. الحديث» (رواه البخاري).
6 - ان يطالع القلب اسماء الله وصفاته وافعاله التي يشهدها ويعرفها ويتقلب في رياضها، فمن عرف الله وحده بأفعاله وصفاته باعتقاد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام ومن بعدهم من سلف الامة الاخيار من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه هداه وأعانه وسدد على الخير خطاه.
7 ـ انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى والتذلل له سبحانه والخشوع لعظمته بالقول والبدن والالتجاء الى الله عز وجل عما يصون النفس عن كل حرم الله مع تقوية عزمه في مواجهة هذه المغريات والمثيرات في زمن يسرت فيه سبل الغواية، وكثرت فيه طرق الفاحشة وتنوعت ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: اني اخاف الله.. (رواه البخاري).
8 ـ التوسع على النفس وأخذ المباح، فالنفس بطبيعتها مجبولة على ما أودع الله فيها من فطر وغرائز فتصريفها فيما احل الله عز وجل باب عظيم لسد ابواب من الشر، وغلق مفاتيح الفتنة ونزوات الشهوة.
9 ـ تحين وقت النزول الالهي لمناجاته جل وعلا ودعائه بالثبات على هذا الدين ولزوم الصراط المستقيم، مع تلاوة كلامه والتأدب بآداب العبودية بين يديه، ثم اختم ذلك بالاستغفار والتوبة النصوح فالله جل وعلا يقول «تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطعما ومما رزقناهم ينفقون».
10 ـ البعد كل البعد عن كل طريق يحول بين القلب والله تعالى، وذلك لا يتحقق ولا يكون الا بالبعد عن انواع السيئات وألوان المحرمات وصور الموبقات، فالقلوب اذا فسدت لن تجد فائدة فيما يصلحها من شؤون دنياها ولن تجد نفعا او كسبا في أخراها «يوم لا ينفع مال ولا بنون، الا من أتى الله بقلب سليم».
11 ـ التربية الفكرية من غرس المفاهيم والموازين الشرعية ذات العلاقة بالاستعفاف كالعلم بالاحكام الشرعية المتعلقة بالجانب الاخلاقي في المجتمع المسلم والتعرف على بواعث واسباب الانحراف الخلقي وآثار ذلك الانحراف على الفرد والمجتمع والتعرف على وسائل الاصلاح الذاتي والاجتماعي ومنهج التربية الاسلامية ووسائل الاستعفاف وادراك دور المفسدين واعداء الاسلام في افساد المجتمع المسلم ومعرفة مكائدهم وخططهم في هذا المجال.
من ثمرات العفة
1- تحقيق المروءة التي ينال بها الحمد والمجد والشرف في الدنيا والآخرة التي تقود الى الارتقاء في سماء الفضيلة، والبعد عن حضيض الرذيلة.
2- نقاء المجتمع وطهارته من المفاسد والمآثم والرزايا والمصائب والعقوبات الربانية وسلامته من اضرار الخبث والفواحش.
3- الفلاح بثناء الله تعالى «قد أفلح المؤمنون.. والذين هم لفروجهم حافظونü إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومينü فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون».
4- الفوز بالجنة والنعيم المقيم في الآخرة «أولئك هم الوارثون ü الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون».
5- حفظ الفروج عن الفواحش مما تزكو به النفوس، وتسلم به المجتمعات، ويحفظ به الأمن، وتصان به الأعراض «من يضمن لي ما بين رجليه وما بين لحييه أضمن له الجنة».
6- السلامة والنجاة من نار السموم «ثلاثة لا ترى أعينهم النار عين حرست في سبيل الله وعين بكت من خشية الله وعين كفت عن محارم الله».
7- قوة القلب ونعيمه وطيب النفس وانشراح الصدر.
8- وفرة العقل ونزاهة النفس وكمالها وعزها وقلة الهم والحزن والغم.
9- صون الأعراض وصيانتها عن الحرام والرذيلة ومواضع الآثام «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم».
10- تنمية روح الغيرة في النفس والتي هي سياج منيع لحماية المجتمع من التردي.