تأليف العلامة محمد سلطان المكي
تحقيق وتعليق علي حسن عبد الحميد
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شُرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ ؛ فلا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ ؛ فَلا هَادِيَ
له . وأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ . وأشهَدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسوله . أما بعد :
فإنَّ للقُرآنِ العظيمِ وَقْعاً في نُفوسِ التَّالينَ لهُ، وتأثيراً عجيباً في عُقول المتدبرين لأوامره ونواهيه .
وقد أمرنا ربُّنا جل وعلا بتدبر آياته وتأمل محتوياته، فقال سبحانه: أفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلوب أقفالُها ) (۱) ، فكانت هذه الآية الكريمة زاجرةً لكُلِّ مَن يقرأ بلا تدبر، ويتلو دونَ تَأمل وتفكرٍ، تَقْرَعُ الأسماع، وتهز الأفئدة والقلوب
ثمَّ إِنَّ الآياتِ القرآنية قد تنوعت أساليبها ، وتعددت طرائق خطابها، فمنها القَصَصُ، ومنها الأحكام، ومنها العقائد، وهكذا . . .
ومنها أيضاً الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّها النَّاسُ ، والخِطاب بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . . . وغير هذا وذاك . وكلٌّ مِن هذين الخطابين : لَهُ وَقْعُهُ، وله غايته، وله تأثيره.
قال ابن مسعود رضي الله عنه : إذا سمعت الله تعالى يقولُ : يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) ؛ فَأَوْعِهِ سَمْعَكَ ؛ فإنه خيرٌ يأْمرُ بهِ ، أو شرِّ ينهى عنه» (۱) . ولقد جَمَعَ مصنف هذا الكتاب رحمهُ الله تعالى كثيراً من الآيات التي فيها هذان النوعان من الخطاب ؛ مقسماً إيَّاها على قسمين؛ عموماً وخصوصاً (٢). وقد قال رحمه الله (ص) (۸۹) بعد إيرادِهِ الآيات التي فيها الخطاب بـ يا أيُّها النَّاسُ : «فاعْلَمْ أَنَّ هَذهِ الأربعينَ آيةً ؛ كلُّ واحدةٍ منها موجَّهَةٌ مِن اللهِ ربِّ العالمين إلى كلِّ فردٍ فردٍ مِن أفرادِ بني آدم، لا يخرُجُ مِن هذه الخطاباتِ الصريحة أحدٌ منهم ... فكلُّهُم مُخاطَبونَ بهذهِ الخطابات، ومأمورونَ ومكلفونَ
بهذه الأوامر . . . . . ثمَّ قال (ص ۳۱۸ بعد إيرادِ الآياتِ التي فيها الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا : فهذهِ مئةُ آيةٍ ... قد خَاطَبَ اللهُ تعالى بها عباده المؤمنينَ كلَّهم، وناداهم، وأمرَهُم ونهاهم وبشرهم وأنذرهم، وزَجَرَهُم، وخوفهم، فقال:
يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا ، ولم يقُلْ يا أَيُّها العُلماء، أو: يا أَيُّها العَرَبُ، أو: يا أَيُّها السادات والأشراف، ولكن قد خاطب كل المؤمنينَ بـ (أنتُم)، و(كم)، و (كنتم)، فإذا ؛ كلُّ المؤمنينَ سواءٌ في التكليف، وكلهم مخاطبون بهذهِ الخطابات الإلهية، كما أنَّ كلَّ البشر مُخاطَبون بخطاباتِ يَا أَيُّها النَّاسُ ، و يا بني آدَمَ ، فبهذا قد توجّه الخطاب إليهم ، وكلُّ واحدٍ منهم أهل لفهم ذلك ما دام عاقلاً بالغاً ، ولأنهم لو لم يكونوا أهلاً ؛ لما خاطَبَهُمُ الله تعالى، ولما كلفهم .
هذه هي الخُطَّةُ العامة للكتاب .
ولكنَّ المصنف رحمهُ اللهُ تعالى قد ضمَّنَ تفسيره لهذه الآيات الكريمة أنواعاً من العلوم الشرعيَّةِ، والمسائل الدينية، وصُوراً مِن التنبيهات الوعظية، وألواناً من النصائح الزجرِيَّةِ .
وقد ذكر المؤلّفُ (ص (١٦٢) تأريخ تأليفه لهذا الكتاب، وهو سنة (١٣٦٦هـ)، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي مرحلة حرجة في التاريخ الحديثِ، أحدثَتِ انشطاراً وانقساماً في العالم كله بعامَّةٍ، وعالمنا الإسلامي بخاصة .
ولمُشابهة المرحلة التي نحياها اليوم - بعواصِفِها ومحنِها وفِتَنِها - صارَ هذا الكتاب كأَنَّه مكتوب اليومَ لأبناء القرن الخامس عشر الهجري، وما يعيشونَه مِن هموم وأحزان . ولكي لا أطيل على الأخ القارىء الانتظار؛ أختصر الكلام، وأقتصر المقام، حتّى ينهل من التفسير السَّلفيّ النّقيّ لكتابِ اللهِ تعالى ، ويفيد ـ لِيُفيد - من التوجيهات العِلميَّةِ، والتنبيهات العمليّة التي نثرها المؤلف رحمه الله طيات كتابه ؛ سائلاً المولى عزَّ وجلَّ أن يجعل لهذه الأمة من أمرها فرجاً، وأنْ ييسر لها مِن فِتنها مخرجاً ؛ إِنَّهُ سميعٌ مُجيبٌ . وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ .
وكتبه
أبو الحارث الحلبي الأثري
عفا الله عنه بمنه
۱۹ شعبان ١٤١١هـ
الزرقاء - الأردن