عبد الرزاق عبد المحسن البدر
مقدمة
إنَّ الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد:
حالة فغير خاف ما للإيمان من منزلة رفيعة ومكانة عالية؛ إذ هو أهم المهمات، وأوجب الواجبات على الإطلاق، وأعظمها وأجلّها، وكلّ خير في الدنيا والآخرة متوقف على وجود الإيمان وصحته وسلامته، وكم للإيمان من فوائد مغدقة وثمار يانعة وجنى لذيذ، وأُكُل دائم، وخير مستمر .
ومن هنا شمَّر المشمرون وتنافس المتنافسون في العناية بالإيمان تحقيقاً وتكميلاً؛ إذ المسلم الموفّق - ولا بدّ ـ تكون عنايته بإيمانه أعظم من عنايته بكل شيء، ولما تحقق سلف الأمة وصدرها وخيرها ومقدَّموها بذلك، كانت عنايتهم بإيمانهم بارزةً، واهتمامهم به عظيماً .
فكان - رضي الله عنهم ورحمهم - يتعاهدون إيمانهم، ويتفقدون أعمالهم ويتواصون ،بينهم والآثار عنهم في ذلك كثيرة جداً :
١ - فكان عمر بن الخطاب ولي الله يقول لأصحابه : «هلموا نزداد إيماناً»، وفي لفظ : تعالوا نزداد إيماناً
٢ - وكان عبد الله بن مسعود الله الله يقول: «اجلسوا بنا نزدد إيماناً»، وكان يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ زدني إيماناً ويقيناً وفقها».
٣ - وكان معاذ بن جبل له يقول : اجلسوا بنا نؤمن ساعة».
٤ - وكان عبد الله بن رواحة الا الله يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا نؤمن ساعة تعالوا فلنذكر الله ونزدد إيماناً بطاعته؛ لعله له يذكرنا بمغفرته».
5- وكان أبو الدرداء الله يقول : من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص، وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنّي تأتيه».
6- وكان عُمير بن حبيب الخطمي الله يقول : «الإيمان يزيد وينقص فقيل: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ل وحمدناه
وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيَّعنا ونسينا فذلك نقصانه» .
7 - وكان علقمة بن قيس النخعي لله وهو أحد كبار التابعين وأجلائهم يقول لأصحابه : امشوا بنا نزدد إيماناً».
8- وسئل الأوزاعي الله عن الإيمان؛ أيزيد؟ قال: «نعم حتى يكون كالجبال، قيل فينقص؟ قال : نعم حتى لا يبقى منه شيء .
٩ - وسئل إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل الله عن الإيمان؛ يزيد وينقص؟ فقال : يزيد حتى يبلغ أعلى السماوات السبع، وينقص حتى يصير إلى أسفل السافلين السبع .
وكان يقول : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا عملت الخير زاد، وإذا ضيعت نقص. والنقول عنهم في ذلك كثيرة جداً، وكذلك من تأمل سِيرهم وقرأ أخبارهم علم شدَّة عنايتهم بأمر الإيمان وعظم اهتمامهم به .
فلقد علم هؤلاء الأخيار أنَّ للإيمان أسباباً كثيرة تزيده وتقويه وتنميه، وأن له أسباباً أخرى كثيرة تنقصه وتضعفه وتوهيه، فاجتهدوا في تحقيق ما يقوي الإيمان ويُكمّله واشتد حذرهم من كل ما يضعف الإيمان وينقصه، فكانوا بذلك بررة أخياراً .
لذا فإنَّ في معرفة هذه الأسباب - أعني : أسباب زيادة الإيمان ونقصانه - فوائد عظيمة ومنافع جمَّة غفيرة، بل إن الضرورة ماسة إلى معرفتها والعناية بها معرفةً واتصافاً ؛ وذلك لأن الإيمان هو كمال العبد، وسبيل فلاحه وسعادته وبه ترتفع درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السبب والطريق لكل خير عاجل وآجل ولا يحصل ولا يقوى ولا يتم إلا بمعرفة طرقه وأسبابه .
فجدير بالعبد المسلم الناصح لنفسه الحريص على سعادتها أن يجتهد في معرفة هذه الأسباب ويتأملها ثم يطبقها في حياته؛ ليزيد إيمانه ويقوى يقينه وأن يبعد نفسه عن أسباب نقص الإيمان، ويحصنها من الوقوع فيها ؛ ليسلم من عواقبها الوخيمة ومغبتها الأليمة، ومن وفق لذلك فقد وفق للخير كله .
يقول العلامة ابن سعدي - رحمه الله تعالى -: «فالعبد المؤمن الموفق لا يزال يسعى في أمرين :
أحدهما : تحقيق أصول الإيمان وفروعه والتحقق بها علماً، وعملاً، وحالاً .
والثاني : السعي في دفع ما ينافيها وينقضها أو ينقصها: من الفتن الظاهرة والباطنة، ويداوي ما قصر فيه من الأول، وما تجرأ عليه من الثاني بالتوبة النصوح، وتدارك الأمر قبل فواته» (۱).
ومن هنا؛ فهذا البحث الذي بين يديك - أخي الكريم - فيه بيان وتوضيح لأهم أسباب زيادة الإيمان ،ونقصانه وأصله فصل من كتابي زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه» (١) ، طلب بعض الأفاضل إفراده مستقلاً ليستفيد منه الجميع، فكان ذلك بحمد الله ومنه وتوفيقه.
وقد جعلته في مبحثين :
المبحث الأول: أسباب زيادة الإيمان عليها
المبحث الثاني: أسباب نقص الإيمان والله أسأل حسن القصد والقبول والرضى .