صنفه محمد الوليد الطرطوشي
ضبطه وعلق عليه علي حسن الحلبي
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفُسنا ومن سيئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ ؛ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضلِل ؛ فلا هادِيَ له .
وأشهد أن لا إلَهَ إِلَّا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد :
فإِنَّ الله سبحانَهُ عَلِمَ ما عليه بنو آدَمَ مِن كثرة الاختلافِ والافتراق، وتباين العقول والأخلاق، حيثُ خُلِقوا من طبائع ذاتِ تنافر، وابْتُلُوا بتشعُبِ
الأفكار والخواطر. فَبَعَثَ اللهُ الرُّسُلَ مبشِّرينَ ومُنذرينَ ، ومُبَيِّنين للإنسانِ ما يُضِلُّهُ ويَهْديه ،
وأنزل معهم الكتاب بالحقِّ ليَحْكُمَ بينَ النَّاسِ فيما اخْتَلَفوا فيهِ . وأمَرَهُم بالاعتصام به ؛ حَذَراً من التفرُّقِ في الدِّين، وحضّهُم عندَ التَّنازع
على الرد إليه وإلى رسوله المُبين ) (١) .
وقد جاءَتِ الشريعة - لتحقيق ذلك - بالنصوص الكثيرةِ المُتضافرة من الكتاب والسنة في الحث على الاتباع والنهي عن الابتداع وليس مِن شَكٍّ أنَّ المُتَّبِعِينَ آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار أصحابه هم أهل السُّنَّةِ؛ لأنَّهُم على تلك الطَّريقِ التي لم يَحْدُث فيها حادث، وإِنَّما وقَعَتِ
الحوادث والبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه»(۱) ولا زال أهل العلم - رحِمَ اللهُ أمواتهُم وحَفِظَ لنا أحياءَهُم - يَشيدون هذا البناء العظيم؛ بنشْرِ كُلِّ سُنَّةٍ، ومَحْقٍ كُل بدعة، ورد أصحاب الأهواءِ وترهاتِهم .
تارةً بالعلم والتعليم .
وأخرى بالرد والتحذير .
وطوراً بالهجر والتعنيف .
وأطواراً بالتأليف والتصنيف
ولو أردنا استقصاء ذلك ، وحَصْرَ صُوَرِهِ وأشكاله ؛ لطال بنا المقال، وتضاعف فينا الحال .
لكنها إشارةً عابرة لبيان منهج هؤلاء العلماء في التعامل مع ذوي البدع وأهل الأهواء ومن هؤلاء العلماء الأعلام الذين ألفوا في رد المُحْدَثَاتِ ونقض البدع والضَّلالات: الإمامُ أبو بكر الطرطوشِيُّ َرحِمَهُ اللهُ، فَأَلْفَ كتابه «الحوادث والبدع (۱) الذي يُعدُّ كتاباً أصيلاً في بابِهِ، نقل عنه كثيرٌ مِن المؤلفين والعلماءِ . .
فلأصالة هذا الكتاب ، ولعظم فائدته، ولكبير نفعه ؛ رأيتُ أَنْ أُعيد نشره نشرة علميَّةٌ متقنة - إن شاءَ اللهُ - ، تُقَرِّبُ ثماره، وتزيدُ سُبل الانتفاع به . سائلا الله العليَّ الأعلى أنْ يجْعَل هذا العمل ـ وسائر أعمالي - خالصاً لوجهه الكريم ، وأنْ يدْخِرَهُ لي يومَ لا ينفع مال ولا بنونَ؛ إِنَّهُ سميعٌ مُجيبٌ .
وكتب
أبو الحارث الحلبي الأثري
علي بن حسن بن علي بن عبدالحميد