الايام لطه حسين
قُدِّرَ ﻟ «طه حسين» أن تنطفئ مصابيح نظره، ولكن قلبه كان نبراسًا يضيء قلبه. إنه ذلك الطفل الذي تملكه اليأس من الحياة ودفعه إلى الانتحار، ثم تحول إلى شخصية استثنائية ربما لن تتكرر، وحقق ما عجز عنه ملايين من المبصرين. إن «الأيام» ليست مجرد سيرة ذاتية، وإنما هي تجربة تصلح لأن يستفيد منها الأجيال المتعاقبة، كما تصلح لدراسة أوضاع المجتمع المصري في القرن العشرين، وإدراك تدهوره وانتشار الجهل فيه. خرج المؤلف من الريف إلى الأزهر بحثًا عن العلم الشرعي، غير أنه لم يجد مبتغاه هناك؛ فاتجه إلى الجامعة المصرية، التي أرسلته إلى فرنسا لاستكمال دراسته؛ فنهل من ثقافة الغرب، وعاد لمصر يبث نور العلم الذي تلقاه. إنها تجربة «عميد الأدب العربي» الذي حول الإعاقة إلى إرادة.
لم ينل أديب مصرى الشهرة التى نالها «طه حسين» فى العالم، فهو الشاب الذى سافر إلى فرنسا، وعرفه الأوروبيون بانفتاحه وأفكاره التى غيرت فى كثير من ثوابت الثقافة القديمة، كما أنه نموذج لرجل فقير كفيف تحدى الصعاب ليصبح مفكراً وأديباً ومحاضراً تحترمه أوساط الثقافة فى أوروبا وجامعاتها والتى كانت تتسابق لاستضافته ومنحه الدكتوراة الفخرية.
بعد صدور كتاب «الأيام» عام 1929، صدرت ترجمة إنجليزية للجزء الأول منها فى لندن تحت عنوان «طفولة مصرية»، والتى عرفت الغرب على شخصية هذا الرجل الطموح الذى فاز فى كل معاركه الشخصية والفكرية والتى وصلت إلى تكفيره ومحاكمته. وفى عام 1932، صدرت ترجمة للجزء الثانى تحت عنوان «بحيرة الأيام»، وفى عام 1967 صدرت ترجمة إنجليزية لمذكرات «طه حسين» تحت عنوان «طريق إلى فرنسا» والتى تعتبر فى أوروبا الجزء الثالث والأخير لسيرته الذاتية.
وتصف «دائرة المعارف البريطانية» ترجمة «الأيام» بأنها «أول أدب عربى حديث عرفه الغرب» كما أن هذه الترجمة توجد نسخة منها فى مكتبات الهيئات الأوروبية التى تعمل فى مجال خدمة المكفوفين، وبعضها يدرسها ليتعلم منها الشباب كيفية تخطى الصعاب وتحقيق الأحلام الشخصية رغم إعاقة فقدان البصر.
«أبو العلاء المعرى» و«طه حسين» لا مفر من اقتران اسميهما سويا، وهما الأعميان اللذان أبصرا ما لا تتحمل العين أن تبصره، فإذا ما راق لهما ما أبصراه، صاغاه لنا بالقلم، فمنا من يصيب فهمهما ومنا من أخطأ وأنكر عليهما نفاذ بصيرتيهما، لكنهما رضيا، وخلدا. «عرض لى أن أدرس حياة أبى العلاء، ذلك الذى أبغضته ونفرت منه، ولست أدرى لم حبب إلى البحث عن هذا الرجل؟ ولم كلفت به الكلف كله؟ ومع أن كتبه قد ضاع أكثرها، فقد خيل لى أنى أستطيع أن أجد فيما بقى منها ما يشفى غليلى. وقد سمعت الناس يتحدثون عن اللزوميات فلا يتفقون فيها على رأى، وسمعتهم يصفون أبا العلاء بالإسلام مرة وبالكفر مرة.. ورأيت بينى وبين الرجل تشابها فى هذه الآفة المحتومة، لحقت كلينا فى أول صباه، فأثرت فى حياته أثرا غير قليل. كل ذلك أغرانى بدرس أبى العلاء، وأنا أحمد هذا الإغراء وأغتبط به». «حسين» صاحب الكلمات السابقة، سردها فى كتابه «تجديد ذكرى أبى العلاء»، والذى نشر فى عام 1914، ومن هنا بدأت رحلتهما سويا، فقد اصطحب المعرى حسين معه روحيا فى الكتب، وكان «حسين» يرى فى سابقه نفسه، ولا عجب أن نجد أن هناك حوادث مشتركة بينهما، اكتشفها «حسين» وهو يقرأ لـ«المعرى» فيزداد الارتباط، وتتوطد الصداقة والصلة.